بعد أسبوع من بدء التصعيد العسكري الإسرائيلي على لبنان، لم يعد الدمار محصورًا في أرقام الغارات أو خرائط الجبهات، بل تمدد ليشمل عشرات آلاف العائلات التي تنام في الشوارع، وطوابير النازحين على الطرقات، والمدارس التي تحولت إلى مراكز إيواء مكتظة لم تعد قادرة على استيعاب المزيد.

وبحسب وزيرة الشؤون الاجتماعية حنين السيد، فقد تسببت موجة القتال الجديدة في نزوح ما يزيد على 450 ألف لبناني ممن سجلوا أسماءهم رسميًا لدى الحكومة، وسط توقعات بإمكانية ارتفاع العدد خلال الأيام المقبلة.

وكان مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان قد أبدى "مخاوف جدية" بموجب القانون الدولي إزاء نطاق أوامر الإخلاء في جنوب لبنان والضاحية الجنوبية، فيما وصف مسؤول أممي آخر حالة النزوح التي شهدها لبنان خلال أيام قليلة بأنها "غير مسبوقة".

وفي الميدان، وصف أحد السكان قرب النبي شيت الليلة الماضية لوكالة رويترز بأنها "ليلة من الجحيم"، فيما قال نازح من الضاحية إنه بات ينام في الشارع من دون غطاء.

وأفادت الحكومة اللبنانية بفتح 399 مركز إيواء في مختلف المناطق، معظمها مدارس حكومية، إلا أن 357 منها بلغ طاقته القصوى بالفعل، ما يعني أن آلاف العائلات الإضافية التي تواصل النزوح يوميًا لم تعد تجد مكانًا تلجأ إليه.

ووثقت تقارير إعلامية مئات العائلات النازحة التي افترشت شاطئ بيروت في انتظار أي حل، وكان كثير منها قد نزح للمرة الثانية بعد أن عاد بالكاد إلى منزله إثر حرب 2024.

وقالت مصادر محلية إن النازحين باتوا مرئيين "على جوانب الطرق وفي كل زاوية تقريبًا"، في ظل عدم قدرة الحكومة على توفير مراكز إيواء تستوعب مئات الآلاف الذين أُجبروا على مغادرة منازلهم بعد أوامر الإخلاء الإسرائيلية الواسعة، لا سيما في الضاحية الجنوبية.

ويعاني لبنان منذ سنوات من انهيار اقتصادي حاد، فيما كان 70% من سكانه يعتمدون على مساعدات إنسانية حتى قبل هذا التصعيد، وفق لجنة الإنقاذ الدولية.

كما أن خطة الاستجابة الإنسانية لعام 2025 لم تحصل سوى على ثلث التمويل المطلوب، ما يعني أن المنظومة الإنسانية كانت مرهقة أصلًا قبل أن تبدأ بالتعامل مع الموجة الجديدة.

وعلق رئيس الوزراء نواف سلام بالقول إن "تبعات هذا النزوح، على المستويين الإنساني والسياسي، قد تكون غير مسبوقة"، مضيفًا أن "بلدنا جُرّ إلى حرب مدمرة لم يسعَ إليها ولم يخترها". فيما وصفت منظمة العفو الدولية أوامر الإخلاء الإسرائيلية بأنها "واسعة بشكل مفرط"، وقالت إنها "تزرع الذعر والرعب وتغذي كارثة إنسانية جديدة لسكان منهكين أصلًا من أزمات متعددة".

وفي هذا السياق، لا يبدو أن أزمة النزوح في طريقها إلى الانحسار. فأوامر الإخلاء الإسرائيلية تتوسع يومًا بعد يوم، من الجنوب إلى البقاع إلى الضاحية بأكملها، وصولًا إلى مناطق لم تكن يومًا ضمن دائرة الاستهداف.

وقالت المديرة القطرية للمجلس النرويجي في لبنان مورين فيليبون إن "عائلات كانت بالكاد قد بدأت بإعادة بناء حياتها تُجبر الآن على الفرار مجددًا"، محذرة من أن تنفيذ أوامر الإخلاء الأخيرة "قد يفرز أزمة إنسانية لم يشهد لبنان مثيلًا لها منذ أكثر من عامين".

وبينما تتواصل الغارات ويتسع نطاق العمليات البرية الإسرائيلية في الجنوب، تتزايد المخاوف اللبنانية من انزلاق البلاد إلى حرب طويلة الأمد قد تدمر بنيتها التحتية الهشة، وتطيح بما تبقى من مقوماتها الاجتماعية والاقتصادية.